مخطط الموضوع

  • موضوع 1

    مفهوم الثقافة والحاجة إليها

    في هذه المحاضرات سنعرف متى استخدمت كلمة (الثقافة) وسنتعرف على مسار التطور التاريخي لمفهوم الثقافة، ومن أين جاءت ؟

       إنّ مفردة الثقافة - وجذرها ثَقَفَ - من الكلمات العربية المتداولة عند العرب، وقد قدمت لنا المعاجم اللغوية إشارات شديدة الأهمية ، كان لها الأثر الكبير في التعرف على مفردة الثقافة وتطويرها للانتقال بها من دائرة اللغة الى دائرة المفهوم.

    وأهمية المعاجم اللغوية في هذا الشأن هي أنها ترجع بنا الى الأصل الذي جاء منه اسم الشيء، وتعرّفنا على اشتقاقاته واستعمالاته المتعدّدة، كما انها تبيّن ما طرأ على هذه الاستعمالات من تطوّر وتغيّر ومنشأ هذا التطوّر والتغيّر وطبيعة تفسيراته اللغوية والاجتماعية والثقافية.

      ومن دون العودة الى اللغة لا يكتمل الحديث عن رصد تطور كلمة الثقافة وتتبع سياقها ، فاللغة لها نطاقها الدلالي الخاص الذي  تتعدّد فيه المعاني والدلالات بحسب تعدّد استعمالات الكلمة واشتقاقاتها.وعند العودة الى معاجم اللغة العربية يمكن الوقوف على معانيها ودلالاتها : دلالة كلمة (الثقافة) في المعاجم اللغوية :

    أولاً: الحذق والمهارة:

    من استعمالات كلمة الثقافة أنها جاءت بمعنى : (الحذق والمهارة)بحسب ما ورد في( لسان العرب) لـ (إبنمنظور) إذ ذكر أنّ : ( ثقف الشيء ثقفاً وثقافاً وثقوفة: حذقه، وثقف الرجل ثقافةً أي صار حاذقاً).

    وفي كتاب (مفردات غريب القرآن) لـ (الراغب الأصفهاني) قد أورد أنّ الثقف بمعنى : الحذق في إدراك الشيء وفعله، إذ يقال: (ثقفت كذا: إذا أدركته ببصرك لحذق في النظر).

    وورد في (المعجم الوسيط ) لـ (مجمع اللغة العربية في القاهرة الذي أعدّه: ( ابراهيم مصطفى وآخرون) أنّ : (ثقف ثقفاً: صار حاذقاً، فهو ثَقِفٌ، والعلم والصناعة حذقهما. وثاقفه مثاقفة، وثقافاً : خاصمه وجالده بالسلاح ولاعبه إظهاراً للمهارة والحذق).

      ونستنتج من ما ورد  أعلاه : أن : الحذق والمهارة ينتميان الى مجالي النظر والعمل كما جاء في المفردات للراغب الأصفهاني ، فهما يقعان في إدراك الشيء وفعله، وإدراك الشيء هو من متعلقات النظر، وفعله من متعلقات العمل.  وهما أيضاً من بمعنى العلم والصناعة كما جاء في المعجم الوسيط ويتصلان كذلك بإدراك الشيء وإتقانه ، فإدراك الشيء له علاقة بالحذق وإتقانه له علاقة بالمهارة.

    والإنسان الحاذق هو من يمعن التفكير والنظر والملاحظة ، وبهذا الحذق يصيب إدراك الشيء. والإنسان الماهر هو من يمتلك الخبرة وبهذه المهارة يصيب في إتقان الشيء.

    وبهذا المعنى تشير الثقافة الى تنمية القدرات الذهنية التي تجعل الانسان حاذقاً في النظر الى الاشياء، والى تنمية القدرات الفنية التي تجعله ماهراً في إتقان الأشياء .وبالحذق يكون الانسان واعياً لذاته وطاقاته، وبالمهارة يكون قادراً على اكتساب القدرة على تسخير هذه الطاقات وتوجيهها. 

     hghd

    - الإدراك ( بمعنى) النظر

    -  الفعل   (بمعنى)  العمل

    - الحذق   (بمعنى) العلم

    - المهارة  (بمعنى)الصناعة

    الفقرات أعلاه تبيّن دلالة مفردة الثقافة في كتاب المفردات للراغب الأصفهاني وفي المعجم الوسيط .

    ثانياً : الفطنة والذكاء :

    أورد إبن منظور في لسان العرب :( هو غلام لِقِنٌ ثَقِفٌ ، أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه).

    والفطنة في  كتاب (التعريفات) لـ (علي بن محمد الجرجاني) هي: ( قوة يقع بها التمييز بين الأمور الحسنةوالقبيحة).

    والفطانة في المعجم الوسيط هي( قوة استعداد الذهن لإدراك ما يرد عليه).

    والذكاء يقال للإنسان سريع الفهم ، والقادر على التحليل والتركيب والتمييز والاختيار، وعلى التكيّف ازاء المواقف المختلفة.

    وبهذا نستنتج أن الثقافة تشير الى تنمية القدرات الذهنية كالتعلم والادراك للارتقاء بالفكر وتحسينه وتطويره، والى تنمية القدرات السلوكية كالتمييز والاختيار، للارتقاء بالسلوك وتحسينه وتهذيبه وبهذه الفطنة والذكاء يتمكن الانسان من إنماء طاقاته وقدراته والارتقاء بإمكانياته وكفاءاته ، لكي يتحول الى طاقة فاعلة ومنتجة، والثقافة تميز الانسان بالفطنة والذكاء، وتظهر هذا التميز في مواقفه الفكرية والسلوكية.

    وحين تشير الثقافة الى معنى الفطنة والذكاء، فإنها تظهر قابلية الإنسان الكبيرة على التعلم والتقدم، حتى يندفع نحو هذا المسلك، ويتغلب على كل عناصر الجهل والتخلف.

    ثالثاً: التهذيب وتقويم الاعوجاج:

    جاء في (معجم مقاييس اللغة) لـ (فارس بن زكريا) ثقف: الثاء والقاف والفاء كلمة واحدة إليها ترجع الفروع، (وهي إقامة درْء الشيء. ويقال: ثقفت الفتاة إذا أقمت عوجها)

    وورد في المعجم الوسيط (ثقف الشيء: أقام المعوج منه وسوّاه، والانسان أدّبه وهذبه وعلّمه) .

    وهناك استعمالات اخرى على سبيل المجاز أشار الى مثلها (الزمخشري) في ( أساس البلاغة)بقوله: ثقف الولد: ( أدّبه وثقفه، ولولا تثقيفك وتوقيفك لما كنت شيئاً، وهل تهذبت وتثقفت إلّا على يدك).

    ويعد هذا المعنى من أقوى المعاني التي تشير إليها الثقافة وأكثرها تعبيراً ودلالة، فالثقافة في عمق جوهرها كانت ومازالت عملية تهذيب للنفس وإصلاح للفكر. فهي تهذيب في بُعدَين:

    - بُعدٌ لتوجيه الغرائز والتحكم في الأهواء.

    - وبُعدٌ لتنمية الملكات([1]) والقدرات الفطرية والمواهب والطاقات الكامنة.

    وبعد أن ذكرنا دلالة كلمة الثقافة في المعاجم اللغوية لابدّ لنا من الاشارة الى أمر غاية في الأهمية وهو :

    انّ المعاني والدلالات اللغوية لكلمة الثقافة التي أعطيت لها في معاجم اللغة العربية كانت ذات دلالة محددة بالجانب المعجمي فقط أي انها تفيد بيان (الجانب اللغوي فقط) دون الخروج عن هذا الإطار، وهي بذلك قد تحددت بتلك المعاني والدلالات وبات الرجوع اليها ينحصر بهذا المجال اللغوي. وهذا ليس جانب ضعف باللغة بل ان ذلك هو من صميم مجال اختصاصها فليس من وظيفة اللغة تطوير هذه الكلمة والارتقاء بها الى مرحلة المفهوم ، ولا يمكنها تجاوز هذه الوظيفة الى ما هو أكثر من ذلك، لكنها قد استكملت تمام المطلوب منها إذ أن ما قدمتهالمعاجم اللغوية من معانٍ ودلالاتٍ لمفردة الثقافة تعدّ هامّة وثرية كما انها قد أسهمت في تحريك هذه الكلمة وتصنيعها مفهومياً.

    وببيان أكثر:

        إنّ الفعل (ثَقَفَ) الذي هو مصدر كلمة (الثقافة) والذي ورد في أغلب المعجمات اللغوية ، قد جاء في سياق محدّد نوعا ما وهذا ليس بغريب؛ لأن الوظيفة الاختصاصية للغة هي حصر المعنى اللغوي فقط وتوضيحه، وليس من وظيفة اللغة تطوير هذه الكلمة والارتقاء بها الى مرحلة  تصنيع المفهوم؛ لذلك ظلّ هذا المصطلح منحصراً في المجال اللغوي فقط ولم يتغيّر إذ (أن تغيّر المصطلحات وتطوّرها يستلزم ارتباطها بالمعارف الاجتماعية).



     (1) الملكة: هي صفة راسخة في النفس وتحصل بسبب فعل من الأفعال، وبتكراره تحصل كيفية نفسانية فإذا أصبحت راسخة في النفس وبطيئة الزوال فتصير ملكة.

  • موضوع 2

    دلالة مفردة الثقافة في النص القرآني:

       إنّ مفهوم الثقافة الذي ورد في النص القرآني قد أشار الى معنى محدّد ويدور مداره وهو موضوع الحرب والقتال والجهاد كما جاء في الآيات القرآنية :

    - قال تعالى: ]وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚوَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ...[([1])

    - وقال تعالى: ...]فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚوَأُولَٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًامُّبِينًا[([2])

    - وقال تعالى: ]فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ[([3])

    - وقال تعالى: ]إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ[([4])


    - وقال تعالى: ]ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ...[([5])

    - وقال تعالى: ]مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَاثُقِفُواأُخِذُواوَقُتِّلُواتَقْتِيلًا[([6])

       ولم يقف الايضاح القرآني عند هذا الحد من البيان بل زاد الفكرة وضوحاً وتشخيصاً إذ أنّ دلالة الكلمة تشير الى مضاعفة  الجهد وبذل  أقصى الطاقة وهذا ما يتناسب مع مقتضيات الحرب والقتال وبما أن الثقافة تشير الى الحذق في إدراك الشيء وفعله وبهذا يكون الفعل ثقف الذي تكرر في الآيات هو بمعنى الحذق أي مضاعفة الجهد بالانتباه والنظر في إدراك العدو؛ لأن الحرب تؤخذ بالمباغتة، وثقفتموهم أي وجدتموهم فينبغي الحذق ومضاعفة الانتباه والنظر.

    ومما يجدر ذكره  دور العلماء والمفسرين العرب وإسهامهم في تطوير وتقويم مفردة الثقافة منهم :

    üالفضل بن الحسن الطبرسي(548هـ) في تفسيره: ( مجمع البيان في تفسير القرآن) حيث توقف أمام أول آية وردت

    فيها كلمة (ثقف) في سورة البقرة: ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم) حيث قال ثقفته ثقفاً: أي وجدته، ومنه قولهم رجل ثَقِفٌ لَقِفٌ: أي يجد ما يطلبه، وثَقَفَ بالتحريك: إذا كان سريع التعلّم، والثِقاف: حديدة تُقوّم بها الرماح المِعوجّة،والتثقيف: التقويم.

    üابن خلدون (ت808هـ) في كتابه (المقدمة) وهوكتاب ألفه كمقدمة لمؤلفه الضخم الموسوم(كتاب العبر)، والاسم الكامل للكتاب هو:(كتاب العبر،وديوان المبتدأوالخبرفي أيام العرب والعجم والبربر،ومعاصرهم من ذوي السلطان الأكبر).وكتاب(المُقدّمة)المشهورتُرجِم من اللغةالعربيّةإلى العديد من اللغات،مثلا للغات الفرنسيّة،والإيطاليّة،والتركيّة، ولابد لنا من وقفة عند كتاب ابن خلدون الذي يعدّ ( المرجع الأول لعلم الاجتماع العربي في العصر الوسيط)، كما أن هذه المقدمة هي أنضج محاولة منهجية في نطاق الثقافة الاسلامية سعت الى بناء نظرية اجتماعية، ولتأسيس علمٌ للاجتماع ينتسب الى الإطار الإسلامي والتجربة التاريخية الإسلامية الممتدة من العصر الأول الى العصر الوسيط،  باعتبار - كما ذكرنا سابقا- أن الثقافة قد تحددت وتطورت بفعل تطوّر الافكار الاجتماعية وذلك قد أسهم في بلورة مفهوم الثقافة . ولقد أشار ابن خلدون الى مفردة الثقافة في مقدمته مرات عدة منها: انه استعمل صيغة (تثقيفاً) وجاءت في سياق

    الحديث عن صناعة النظم والنثر، وأنّ حصول هذه الملكة بكثرة الحفظ ، وكيف أنّ كلام الإسلاميين من العرب أعلى طبقة في البلاغة من كلام الجاهلية في منثورهم ومنظومهم، والسبب في ذلك حسب رأيه: ( أنّ هؤلاء الذين أدركوا الاسلام وسمعوا الطبقة العالية من الكلام في القرآن والحديث- اللذين يعجز البشر عن الاتيان بمثليهما  لكونها ولجت - دخلت- في قلوبهم ، ونشأت على أساليبها نفوسهم، فنهضت طباعهم، وارتقت ملكاتهم في البلاغة، على ملكات من قبلهم من أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذه الطبقة، ولا نشأ عليها، فكان كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة وأصفى رونقاً من أولئك...وأعدل تثقيفاً بما استفادوه من الكلام العالي الطبقة).

    üمالك بن نبي:

     هو مفكر استطاع أن يبلور نظرية في الثقافة ويستقل ويعرف بها في العالم العربيويعد إسهامه في هذا المجال الأكثر أهمية على مستوى الكتابات العربية والإسلامية وقد اكتسبت شهرة بين الكتّاب والباحثين العرب والأجانب.



     (1) البقرة: 191.

    (2) النساء: 91

    (3) الأنفال: 57

    (4) الممتحنة:2

    (1) آل عمران:112

    (2) الأحزاب: 61.

  • موضوع 3

    تعريف مصطلح الثقافة الإسلامية:

       نظراَ لكون كلمة "الثقافة" ذات أبعاد كبيرة ودلالات واسعة يضيق عن استيعابها النطاق اللغوي لأصل الكلمة،ونظراً لكون هذه الكلمة من الألفاظ المعنوية التي يصعب على الباحث تحديدها؛شأنها في ذلك شأن لفظ: التربية،والمدنية،والمعرفة.. وما إلى ذلك من المصطلحات التي تجري على الألسن دون وضوح مدلولاتها في أذهان مستعمليها وضوحاً مميزاً،ونظراً لكون علماء العربية والإسلام على اختلاف تخصصاتهم في الزمن الماضي لم يستعملوا كلمة " الثقافة" بالمعنى الواسع،ولم يقيموا علماً مستقلاً يسمى بـ "الثقافة"،وإنما جاء التعبير بهذه الكلمة وليد الأبحاث والدراسات الحديثة التي اطلع المسلمون من خلالها على العلوم والفلسفات الغربية،فاقتبسوا منها العديد من المسميات التربوية.

    نظراً لهذا كله فإنه لم يوجد حتى الآن تعريف محدّد متفق عليه لمصطلح "الثقافة الإسلامية"،وإنما هي اجتهادات من بعض العلماء والمفكرين.


    ومن هنا فقد تعدّدت التعريفات لهذا المصطلح تبعاً لتعدّد اتجاهات هؤلاء العلماء والمفكرين التي يمكن حصرها في ما يلي:

    1 - اتجاه يجعل"حياة الأمة الإسلامية"أساساً يدور عليه التعريف.

    وقد عرّف أصحاب هذا الاتجاه الثقافة الإسلامية بأنها: "معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر،من دين،ولغة،وتاريخ،وحضارة،وقيم وأهداف مشتركة".

    ويقوم هذا التعريف على دراسة حياة الأمة الإسلامية من جميع جوانبها على أساس أنّ لكل أمة ثقافتها التي هي عنوان عبقريتها وثمرة اجتهادها،وهي المعبرة عن روحها وشخصيتها والعلامة الكبرى المميزة لها بين الأمم،والدالة على الجهود التي أسهمت بها في تاريخ الإنسانية.

    2-اتجاه يجعل "العلوم الإسلامية" أساساً يدور عليه التعريف،وبهذا تكون الثقافة الإسلامية مرادفة "للدراسات الإسلامية" أو"التربية الإسلامية" أو"العلوم الإسلامية".

    وقد عرّف أصحاب هذا الاتجاه الثقافة الإسلامية بأنها: "معرفة مقومات الدين الإسلامي بتفاعلاتها في الماضي والحاضر،والمصادر التي استقيت منها هذه المقومات".

    ويعنى هذا التعريف دراسة العلوم الإسلامية الصرفة بجوانبها المتعددة مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية،وما أضافه علماء الكلام والتفسير والحديث والفقه والسيرة من ثمرات الفكر الجاد والاجتهاد الأمين.

    3 - اتجاه يرى أن الثقافة الإسلامية علمٌ جديدٌ،له موضوعاته الخاصّة التي تميّزه عن غيره من العلوم الإسلامية كالحديث أو التفسير أو الفقه أو الأصول،وأنّه علم أوجدته الأحداث المستجدّة والدراسات المعاصرة.

    وقد عرَّف أصحاب هذا الاتجاه الثقافة الإسلامية بأنها: "معرفة التحديات المعاصرة المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين الإسلامي".

    كما عرفوها بأنها: "العلم بمنهاج الإسلام الشمولي في القيم،والنظم،والفكر،ونقد التراث الإنساني فيها".


    من الملاحظ أن الاتجاهين الأولين كان لهما انعكاسهما وأثرهما غير المجدي على كتابة الثقافة الإسلامية والتأليف فيها،وفي تحديد الموضوعات والمناهج التعليمية التي يناط بمقررات الثقافة الإسلامية تدريسها.

    فتبعاً للاتجاه الأول أصبحت مقررات الثقافة الإسلامية في بعض المؤسسات التعليمية نمطاً من الدراسة التاريخية البعيد عن الواقع المعاش،حيث لا تعدو أن تكون عرضاَ للمنجزات الحضارية عند المسلمين وتمجيداً لها.

    وتبعاَ للاتجاه الثاني أصبحت مقررات الثقافة الإسلامية في بعض المؤسسات التعليمية معرفة عامة عن الإسلام،ومدخلاً جميلاً للشريعة يفيد العامة ولا يغني الخاصة،وأصبح - بالتالي - تصور كثير من المدرسين والدارسين لهذه المقررات على أنها مقررات دراسية تضم شيئاَ من العقيدة وشيئاَ من التفسير وشيئاَ من الحديث وبعض المعلومات العامة عن الفقه والسيرة النبوية والحضارة الإسلامية.

    ولهذا يمكن ترجيح تعريف الثقافة الإسلامية بالاتجاه الثالث،الذي لم يكن له حظ واسع من الاهتمام،والذي يرى أن الثقافة الإسلامية هي علم إسلامي جديد له موضوعاته الخاصة ومنهجه الخاص ومصادره الخاصة وطابعه الخاص الذي يمتاز به من سائر العلوم الإسلامية الأخرى،وذلك:

    1. بياناً لمنهاج الإسلام الشمولي في أصوله التصورية عن الوجود والكون والإنسان والحياة،وفي خصائصه المميزة له من سائر الثقافات،وفي ما ينبثق عنه من قيم ونظم وفكر.

    2. ونقداً للثقافات الأخرى في تلك الأصول والمجالات.

    3. ومقارنة بين الإسلام وتلك الثقافات،لبيان كمال الإسلام ونقصانها.

    4. ودفعاً للشبهات المثارة حول الإسلام عقيدة وشريعة  وسلوكاً ومنهج حياة.

    5. ومعالجة لحاضر المسلمين الثقافي:

    - تشخيصاً لهذا الحاضر.

    - وتصحيحاً لما فيه من أخطاء.

    - وإبرازاً لنماذج التجديد الصحيحة.

    - وكشفاً للغزو الموجه إليه.

    ولعل التعريف القائل - الذي ذكرناه- بأن الثقافة الإسلامية هي:

     "العلم بمنهاج الإسلام الشمولي في القيم،والنظم،والفكر، ونقد التراث الإنساني فيها "هو أفضل تلك التعريفات وأقربها إلى الصواب،لاشتماله على موضوعات علم الثقافة الإسلامية الرئيسة، ولأنه تعريف كلي وليس تعريفاً جزئياً.

  • موضوع 4

    أهداف  دراسة الثقافة الإسلامية

    بعد أن تعرفتَ على تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح ، فضلاً عن تعريف الثقافة الإسلامية آن الأوان لتتعرف على أهداف دراسة الثقافة الإسلامية ، وهي كالآتي:

    1)التعريف بمفهوم الثقافة الإسلامية ومجالاتها وخصائصها ومصادرها وأصولها، كي يظهر الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات.

    2)التعرّف على أهم التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية، وتسليح أبناء الإسلام بالمعرفة للتعرف على جذور هذه التحديات، والإسهام في البحث عن حلول لمواجهة تلك التحديات.

    3)تكوين قدرة نقدية تتمكن من خلالها فرز عناصر الثقافة الأصيلة من الدخيلة، والسنة من البدعة، والإسلامي من الجاهلي.

    4)تكوين قدرة لديك للإسهام في التغيير الثقافي المنشود في جميع جوانب الحياة العملية.

    5)تجلية موقف الإسلام من قضايا العصر في مجالات العلوم النظرية والتطبيقية المختلفة، ونقدها من منظور إسلامي.

    6)تنمية القدرة على فهم الثقافات الأخرى ووجوه التباين بينها وبين الثقافة الإسلامية، كي تكون قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة .

    7)بيان العقيدة الإسلامية السوية، بمبادئها وتصوراتها الصحيحة، وترسيخ العقيدة في النفس حتى تكون قادراً على مواجهة الأفكار العصرية والمذاهب الهدامة بوعي وثبات .

    8)تنمية شعور الولاء للأمة الإسلامية، وتبصير الفرد بأهمية هذا الولاء حتى يعتز به ويشعر أن الأمة الإسلامية تقع في موضع الشهادة والإمامة.

    9)تجديد الصلة بالإسلام، عن طريق ترجمة أفكاره وتعاليمه، إلى قانون عملي وواقع سلوكي وأخلاقي، فقد جاء الإسلام ليكون عقيدة وشريعة ومنهجاً ونظام حياة متكامل.

    10)التعريف بالتصور الإسلامي الصحيح عن الخالق، والكون، والحياة، والإنسان.

    11)إبراز النظرة الشمولية للإسلام باعتباره ديناً مترابطاً متكاملاً لا ينفصل فيه أصل أو فرع عن آخر، والتخلص من النظرة الجزئية له التي تقصره على بعض جوانب الحياة.

    12)تفنيد الفكرة الخاطئة التي تنسب انحطاط المسلمين إلى تمسكهم بالإسلام وبيان أن تخلف الشعوب الإسلامية كان بسبب تخليها عن مبادئ هذا الدين القويم.

  • موضوع 5

    مصادر الثقافة الاسلامية (*)

    تنقسم مصادر الثقافة الإسلامية على قسمين:

    أولاً:المصادر الشرعية وهي:القرآن الكريم،والسنة الشريفة([1]).

    ثانياً: المصادر المعرفية وهي:التاريخ الإسلامي، واللغة العربية، والخبرات الإنسانية النافعة.

    1- القران الكريم:

        انّ القرآن الكريم يعتبر مصدراً عظيماً ورافداً كبيراً من روافد الثقافة الإسلامية، فهو كلام اللهالمعجز، المنزل على النبي (ص)، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبَّدُ بتلاوته

    وهو المصدر الأول لهذا الدين،والمنهج والدستور لهذه الأمة، والمشتمل على أصول العلوم المختلفة، أنزله الله هدى ورحمة للعالمين، تبيانًا لكل شيء، جعله الله كتاب عقيدة وهداية، وتربية وتعليم، وثقافة، حوى آدابًا وقيمًا وسلوكًا تنظم حياة الأمم والأفراد في مختلف الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.فهو منبع كل حكمة، ومورد كل فضيلة، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

    نزل باللغة العربية، فيه الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، والقصص والأخبار والأمثال، والحكم والأحكام، والعبر والمواعظ  والحلال والحرام والدعاء ، آياته تصدق بعضها بعضاً ، جمع ثمرات الكتب السماوية المنزلة، قال تعالى :

    ]...وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ...[([2])

    وقال عز وجل:]وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...[([3])

    من مزايا القرآن الكريم :

    1- أنّ الله حفظه من التحريف في القرون السابقة، وسيبقى كذلك إلى قيام الساعة كما قال سبحانه  تعالى: ]نَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[([4])

    أما الكتب السابقة فقد أضيف حفظها إلى أصحابها فحرّفوها، قال تعالى: âوَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا

    عَلَيْهِ شُهَدَاءَá([5])

    2- أنّ القرآن جاء مؤيدًا ومصدقًا لكل الكتب السابقة ومهيمنًا عليها، قال تعالى: âوَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِá([6])

    3- احتوى القرآن الكريم على شريعة عامة للبشر فيها كل ما يسعدهم في الدارين.

    4- جمع القرآن الكريم كلّ ما كان متفرقًا من العقائد وأصول العبادات ومكارم الأخلاق في الكتب السابقة.

    مصدرية القرآن الكريم للثقافة الإسلامية

    إنّ سرّ عظمة الأمة الإسلامية وقوّتها نابعة من القرآن الكريم، فثقافة الأمة تنبثق من مصادر الإشعاع والخير الموجودة في القرآن بما فيه من أحكام تشريعية، وأخلاق سامية وآداب جمّة، فهو مصدر العقل والفهم والتهذيب والعلم بما فيه من آيات تدل على الحث على العلم والتعلم و الصدق والعفاف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصقل النفوس على التراحم والمحبة والأخوة  والصدق والعدالة .

    فقوام الشخصية المثقفة يستند على جملة من المبادئ والأسس الانسانية وهي تتوافر في توجيهات القرآن وتعاليمه.

    ولكي يكون القرآن الكريم مصدرا للثقافة فلابدّ من إعطائه حقه من قبل المثقف وغيره من الأفراد والمجتمعات وذلك:

    1)باستحضار الجو الإيماني ومعايشة الحالة الإيمانية التي يتقدمها الفهم والتدبر.

    2)تلاوة القرآن الكريم والوقوف على الآيات وتدبرها والتفاعل معها حتى تصقل شخصيته وتهذبها.

    3)أن تجعل القرآن الكريم دعوة للحياة خاصة أن الثقافة لها الأثر البالغ في حياة الأفراد في عصرنا الحاضر الذي ازدحمت فيه التيارات الفكرية والنظم الاجتماعية، ولذلك لابد للمسلم أن يعرف طريقه ويحدد وجهته بمصدر الثقافة الذي يستمد منه خطاه في الحياة على أقوم سبيل.

    2- السنة المعصومة المطهرة:

    تعتبر ثاني أهم مصادر الثقافة الإسلامية، فهي حاضنة الإرث النبوي العظيم، وقد أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الإسلامي بطريقة رائعة، فالرسول(ص) قدوة لا نظير لها، وهو مثال المسلمين الأعلى، ومن هنا فقد حرص المسلمون على تتبع أخباره، ومعرفة أقواله وآرائه، طمعاً منهم في السير على نهجه الكريم الجليل.

    والسنة في اللغة: الطريق والسيرة، وفي الحديث المشهور: (من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها الى يوم القيامة، ومن سنّ سنّة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها الى يوم القيامة)ولكنّها في مصطلح الفقهاء:

    ما صدر عن النبي- صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - من قول أو فعل أو تقرير أصالة أو نيابة والمراد من النيابة سنة من ينوب عن النبي (ص) في المقام والوظيفة، وهو عندنا المعصوم (ع) ومن هنا ينبغي تعريفها بأنها قول المعصوم وفعله وتقريره .

    والسنّة هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، سواء كان منقولاً باللفظ والمعنى، أو منقولاً بالمعنى إذا كان الناقل ضابطاً في النقل، وقد خصّ اللّه بها المسلمين دون سائر الامم، واهتم المسلمون بنقل ما أُثِرَ عن النبي - ص - من السنّة وتحرّوا الدقة في نقلها.

    ثانياً: المصادر المعرفية:

    1-التاريخ الإسلامي:

    يعد التاريخ الإسلامي من المقومات المهمة للثقافة الإسلامية، فهو يعد ميداناً شاسعاً مليئاً بالأحداث والمعطيات التي سجلتها ظروف الإنسان ، وأحواله السياسية ، والاقتصادية ، والاجتماعية ، والسلوكية، وهو سجل لأعمال الأمة الإسلامية، ويقوم بدور الراصد لحركتها بالإسلام حال استقامتها عليه، أو انحرافها عنه، كما يرصد حركة علمائها وحكامها ، ومصلحيها. ونظراً لأهمية التاريخ فإن الأمم تبرز معالمه لشعورها بأن وجود الأمة في حاضرها إنما هو استمرار لوجودها في ماضيها، فليس غريباً أن يكون التاريخ الإسلامي مصدراً أساسياً للثقافة الإسلامية .

    يعتبر التاريخ الإسلامي مصدر للثقافة الإسلامية من ثلاثة أوجه :  

    üأكسبها بعد زمني ميزها عن غيرها من الثقافات.

    üمنحها سمة الأصالة والانتماء وبدونه تصبح هذه الثقافة عديمة الهوية ليس لها من ماضيها ما يربط حاضرها ويرسم مستقبلها .

    üأن هذا التاريخ الحافل بالأمجاد يغذي الروح الإسلامية في الأجيال .

    وكم في هذه الميادين الثلاث من أحداث وعضات وعبر أرفدت الثقافة الإسلامية بعلوم عظيمة.

             2- اللغة العربية

    هي لغة القرآن الكريم قال تعالى: 

    )  إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)([7]) . وهي لغة التشريع الذي يضبط حياة الناس وينظمها في كل زمان ومكان، وبغيرها يستحيل الاجتهاد لأن نصوص القرآن والسنة لا يمكن فهمها إلّا بها ، وفضلاً عن ذلك فإن اللغة العربية لغة العلم عند الأمة العربية، فكل علومنا مصاغة بهذه اللغة، وميراثنا العلمي فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، وميراثنا الأدبي من شعر ونثر لا يمكن الوصول إليه من غير فهم وإتقان اللغة العربية، فإذا نبذنا العربية انقطعنا عن تراثنا وثقافتنا . ولذلك فإن اللغة بمثابة سمت يمثل طابع الأمة وصورتها، ويكشف عن حقيقتها وجوهرها، وعلى هذا الأساس فإن المسلم يحرص أشد الحرص على تعلم اللغة العربية باعتبارها وسيلة كبرى لفهم القرآن والإسلام، وبناءً على ذلك يمكن القول بأن اللغة العربية مصدر ذو شأن من مصادر الثقافة الإسلامية ومعلم بارز من معالمها .

    3-الخبرات الإنسانية النافعة:

    تعد الخبرات الإنسانية النافعة مصدراً مهماً من المصادر التي تسهم في بناء الثقافة،حيث استفاد المسلمون من الخبرات البشرية،وما أنتجته العقول من ابتكارات،وحضارات، ونُظُم، وعلوم، مادامت لم تتعارض هذه الجهود والخبرات الإنسانية مع العقيدة الإسلامية ومنهج الإسلام في الحياة، ولم يوجد في الإسلام ما يغني عنها.



    (*)هناك فرق بين مصادر الثقافة الإسلامية،ومصادر التشريع الإسلامي، فالأولى أوسع من مصادر التشريع لأنها تشمل العلوم الإنسانية، كما تشمل الآداب والتراث الإسلامي.

    (1) ويقصد بها سنة النبي (ص) والأئمة المعصومين عليهم السلام.

    (1) النحل : 89.

     (2)المائدة: 48

    (3) الحجر: 9

    (4) المائدة:44

    (1)المائدة:48

    (1) يوسف: 2.

  • موضوع 6

    خصائص الثقافة الإسلامية

     في هذه المحاضرة سنتعرف على خصائص الثقافة الإسلامية فضلاً عن إن كل خصيصة من هذه الخصائص تغرس الثقافة الإسلامية في القلوب، وتحولها إلى واقع معاش في حياتنا اليومية، ولهذا كان لابد علينا أن نتعرف على خصائص الثقافة الإسلامية ومعانيها وهي:

    أولا :  الإلهية

    إن أول وأهم خصائص الثقافة الإسلامية كونها ربانية المصدر ، أي أن مصدرها رباني ، لا بشري، وهذا المصدر الإلهي يتسم بالخلود ، والصدق، والصحة، قال تعالى: ]إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[([1])

    لذا فتصور الثقافة الإسلامية للوجود بكل خصائصه ومقوماته مستمد من الله تعالى ، من خلال ما جاء في القرآن الكريم، قال تعالى:]وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ[([2])

    وهذا هو السر الذي يعطي الثقافة الإسلامية قيمة التفرد والخلود. ومن البديهي أن الثقافة التي تنبع من كتاب الله والتي تحقق حاجات الإنسان، والتي يطمئن إليها الإنسان لهي أرقى ثقافة عرفتها البشرية .
    ثمرات إلهية الثقافة الإسلامية

    يترتب على إلهية الثقافة الإسلامية عدة ثمرات ، هي كالآتي  :

    1.سمو مبادئها ، وعظمة قيمها، وصحتها ، ودقتها ، وصوابها.

    2.انسجامها مع الفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الإنسان عليها.

    3.توافقها مع العلم الصحيح ، وعدم معارضتها له، وانسجامها مع العقل السليم.

    4.خلوها من التناقض ، والتعارض ، والتمزق ، والاضطراب.

    5.يُسْرُها ووضُوحها، وسهولة استيعابها والتفاعل معها.

    ثانيا : الثبات

    تتميز الثقافة الإسلامية بالرسوخ المطلق ، والثبات التام في قواعدها ، وأصولها ، ومصادرها ، وقيمها، قال تعالى: ]ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ[ ([3])وقال تعالى: ]وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[([4])

    وهذا الثبات لا يعني الجمود وقتل الإبداع ، أو التوقف عن الحركة، بل هو قمة الحركة والإبداع، ولكن في إطار الحقائق والقواعد الإسلامية.
    وتتمثل مجالات ثبوت الثقافة الإسلامية فيما يلي:

    1.الثبات على الأصول والكليات.

    2.الثبات على الأهداف والغايات.

    3.الثبات على القيم الدينية والأخلاقية.

    ثمرات ثبات الثقافة الإسلامية

    يترتب على ثبات الثقافة الإسلامية عدة ثمرات ، هي كالآتي:

    1.ضبط حركة الإنسان، وتقييد تصرفاته ضمن إطار محدد، فلا يخرج عن جادة الهدى، ولا يحيد عن معالم الأخلاق، ولا يتخلى عن الموازين والقيم الإلهية.

    2.ضبط الفكر الإنساني، فلا يتأرجح مع الشهوات والأهواء والمؤثرات، ولا يندفع وراء حب أو كره، ولا يتأثر من قول شخص قريب أو بعيد أو رئيس أو مرؤوس، أو صاحب سلطان أو مغمور.

    3.إعطاء المجتمع الإسلامي الحصانة القوية ضد دعوات الضلال الهدامة، والوقوف أمام طوفان الغزو الفكري ووسائل الفساد والانحراف والسقوط.

    4.الثبات في الموازين والمعايير التي توزن بها أعمال الناس جميعاً، فلا محاباة ولا تفاضل ، ولا مداهنة، فالعظيم والحقير سواء أمام المبادئ الإسلامية ، وأمام الأنظمة الإسلامية. وتأكيداً لهذا المعنى جاء قول رسول الله(ص) " إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" .

    5.حفظ الأمة الإسلامية لهويتها وشخصيتها ووجودها فلا تذوب وسط الثقافات والحضارات الأخرى

    ثالثا :الشمول

    لقد تناولت الثقافة الإسلامية كل مناحي العبادات، والمعاملات، والاجتماع، والاقتصاد، والإدارة، والقضاء، والحكم الداخلي، والسياسة الخارجية وهي بذلك تكون قد استوعبت كل جوانب الحياة المختلفة، وكل مجالاتها. كما أن الثقافة الإسلامية أحاطت بالإنسان في جميع مراحل حياته المختلفة، وفي علاقاته المتعددة، واحتياجاته الروحية الداخلية، والمادية الخارجية. قال تعالى في محكم كتابه: ]وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰهَٰؤُلَاءِ ۚ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ[([5])وهي ثقافة شاملة يتجلى شمولها في أنها تناولت الانسان والكون والحياة. 

    ثمرات شمولية الثقافة الإسلامية :

    يترتب على شمولية الثقافة الإسلامية عدة ثمرات ، هي كالآتي 

    1.إعطاء تفسير للقضايا الكبرى التي شغلت الفكر الإنساني، ولا تزال تشغله، بحيث يشعر الإنسان بالطمأنينة من خلال معرفة أصله ونشأته، ومصيره ونهايته، وعلاقته بخالقه، ودوره في هذا الوجود، فلا يبقى الإنسان حائراً ضعيفاً بدرب الحياة، بل يجد الملجأ والملاذ ويشعر بالطمأنينة والاستقرار.

    2.صيانة الإنسان من الاعتماد على التشريعات والأنظمة غير الإسلامية حيث إن الإسلام اشتمل على كل هذه التشريعات التي يحتاج إليها الإنسان في حياته الخاصة والعامة.

    رابعا : الإيجابية

    تمتاز الثقافة الإسلامية بأنها ثقافة إيجابية في كل جانب من جوانبها، فهي تُلزِم الإنسان بالعمل حسب طاقاته ، وامكاناته ، ومواهبه، وتحذر بشدة من التواكل ، والتخاذل والتكاسل، قال تعالى:]إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ[([6]). ولهذا فهي لا ترضى أن يكون المسلم كسولاً ، يعيش على هامش الحياة دون أن يؤثر في الكون والمحيط الذي حوله، وأن يؤثر في الناس، وأن يؤثر في دنياه ودنيا غيره، ولهذا فليس المسلم في عرف الثقافة الإسلامية ذلك الإنسان السلبي الذي يعيش بعيداً عن أحداث الحياة وقضاياها، إنما هو ذلك الإنسان المسلم الإيجابي في عقيدته، الإيجابي في دعوته، المهتم بأمر المسلمين وشؤونهم وقد امتدح الله عز وجل الأمة الإسلامية لما تحلت به من إيجابية فقال تعالى: ]كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[([7])
    ثمرات إيجابية الثقافة الإسلامية

    يترتب على إيجابية الثقافة الإسلامية عدة ثمرات ، هي كالآتي: 

    أ‌-إشعار الفرد المسلم بأنه مكلف، وأن عليه أن يبذل قصارى جهده، وهو مع ذلك مزود بالاستعدادات والمواهب والإمكانيات، وأن الله - سبحانه وتعالى - سيعينه على عمله واجتهاده، ويسدد خطاه ويؤيده بنصره.

    ب‌-إشعار الفرد المسلم بضخامة مسؤوليته ، وبأهميته في الحياة الدنيا ، وفي أحداثها ووقائعها، وأنه لم يخلق عبثاً ، وإنما هو قدر من أقدار الله، بتحركه تتحقق إرادة الله ومشيئته، وأن وجوده فوق الأرض يستوجب عملاً إيجابياً مستمراً في ذات نفسه ، وفي الآخرين من حوله.

    ت‌-إعلاء شأن الفرد المسلم ورفع قيمته في نظر نفسه ونظر الآخرين، والرفع من اهتماماته وغاياته وأهدافه، فيأبى أن يزاحم الناس من أجل مطالب قريبة، أو يقاتلهم حرصاً على منافع شخصية.

    ث‌-الإيجابية الاجتماعية للمسلم، من خلال الاهتمام بإخوانه ومشاركته لهم، سواء كانوا أقارب أو أرحاماً أو جيراناً، أو معارف، أو أصدقاء.

    ج‌-إيقاف كيد ومكر الأعداء ووقوف المجتمع أمام جهودهم لحرب المسلمين، وصيانة الأمة الإسلامية منهم.

    خامسا: الواقعية

    تمتاز الثقافة الإسلامية بميزة عظيمة ألا وهي الواقعية، فالثقافة الإسلامية واقعية لأنها تقوم على التصور العقيدي للحقيقة الإلهية، وعلى بيان آثار قدرة الله في المخلوقات المشاهدة المرئية، قال تعالى:]فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ*وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ *يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ[([8])

    وهي واقعية لأنها تعرف الانسان على حقيقة الكون، وتدعوه للتعامل معه على النحو الذي بينته العقيدة الإسلامية، وفي هذا الإطار يقول الله تعالى:]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ۖ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ([9] )   [

    وهي واقعية لأنها تفسر حقيقة الإنسان، فهو إنسان مخلوق له وجوده الواقعي وهو جزء من الكيان البشري الذي له حقيقة واقعية موجودة

     وهي واقعية لأنها تقدم منهجاً واقعياً شاملاً للحياة البشرية فوق الأرض، وتتعامل مع الحياة الإنسانية على حقيقتها وواقعيتها . قال تعالى]لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ[([10])

    ثمرات واقعية الثقافة الإسلامية :

    يترتب على واقعية الثقافة الإسلامية عدة ثمرات ، هي كالآتي:

    أ‌-تفاعل المسلم مع التكاليف الشرعية، وحيويته في أدائها، لأنها تراعي قدراته ووسعه ، واستطاعته، وهو ينظر إلى ثوابها الواقعي في الآخرة.

    ب‌-الاعتراف بالضعف البشري، فالإسلام لا يتعامل معه على أنه ملك ، بل على أنه إنسان، يخطئ ويصيب، فيستوعب خطأه، ولكنه يدعوه إلى عدم الركون إلى الخطأ والرضا به.

    ت‌-ارتقاء المسلم إلى آفاق عالية سامية، ومجاهدته لضعفه وهواه، وأخذه بالعزيمة وعلو الهمة ، ونجاحه في هذه التربية الجادة.

    ث‌-الاقتداء بالنماذج العملية الناجحة، التي تمثلت الإسلام في حياتها فكانت إسلاماً واقعياً حياً، من خلال تصرفاتها وسلوكها، حيث يجعل المسلم هذه النماذج قدوة عملية له.


    سادسا - التوازن

    التوازن مأخوذ من الميزان، وهو بمعنى التناسق والانسجام والترابط والاتصال، بحيث يأخذ كل جانب حجمه المحدد، ومساحته المحددة، فلا يزاد في ذلك على حساب الجوانب الأخرى، ولا ينقص منه فيكون مبتوراً، وهذا المعنى في التوازن مقرر في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ]السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ*أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ*وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ([11])[فهناك موازنة بين الحقوق والواجبات، والحقوق بعضها مع بعض، والواجبات بعضها مع بعض، والموازنة بين مطالب الروح والجسد، فالإنسان مطالب بعبادة ربه ولكنه أمره أن يصرف شيئاً من اهتمامه لنفسه وأولاده ومجتمعه، وأمره أن يصرف همه للدار الآخرة ونهاه أن ينسى نصيبه من الدنيا، قال تعالى:]وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[([12])

    ثمرات توازن الثقافة الإسلامية :

    لخاصية التوازن عدة ثمرات هي كالآتي

    أ‌-التوازن بين عالم الغيب الذي لا يدركه العقل، وعالم الشهادة الذي يقدر العقل على إدراكه.

    ب‌-التوازن بين فاعلية الإنسان في الكون، وصلة الكون بالإنسان.

    ت‌-التوازن بين العبادة والعمل، فللشعائر التعبدية وقتها، وللنشاط العملي مجاله وميدانه.

    ث‌-التوازن بين الفرد والجماعة، فلا يطغى الفرد على الجماعة، ولا تأكل الجماعة حقوق الفرد.



    (1) الحجر: 9.

    (2)الشورى: 52-53

    (3) الجاثية: 18

    (4) الانعام:153

    (5) النحل: 89

    (6)الرعد:11

    (7) آل عمران: 110

    (8) الروم:17- 19                        

    (9) الانعام: 1

    (10) البقرة: 286                                                

    (11) الرحمن: 7-9

    (12) القصص: 77

  • موضوع 7

    التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية

      لا مجال للشك في أن عصرنا يختلف اختلافاً جذرياً عمّا سبقه من حقب تاريخية، ولعلّه لا مجال هنا للمقارنة نظراً لما طرأ على عالمنا المعاصر من تطورات، وماجدّ فيه من متغيرات متسارعة، وما ظهر فيه من مخترعات باهرة لم تكن تخطر على بال أحد.

    فالواقع المعاصر فاق كل التوقعات.. إنّه عصر الثورة العلمية والتكنولوجية وثورة المعلومات والاتصالات والاستنساخ.. وكل يوم يشهد عالمنا المعاصر مزيداً من الاكتشافات والمخترعات والمفاجآت.والسؤال هو: أين عالمنا الإسلامي من ذلك كلّه؟ ألا يعد جزءً من هذا العالم الذي نعيش فيه، والذي أصبح - كما يقال كثيراً - مثل قرية كونية صغيرة؟

    ألا يتأثّر بكل ما يحدث في هذا العالم من متغيرات؟ وهل يستطيع أن يعزل نفسه عن ذلك كلّه؟

    هل اكتفى عالمنا الإسلامي بدور المتفرج على ما يدور حوله من تطورات، وقنع بدور المستهلك لما ينتجه عالمنا المعاصر من منجزات في مجالات العلم والتكنولوجيا والترفيه؟

    إنّما جدّ في العالم من تطورات،على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، يحمل معه تحديات كثيرة لعالمنا الإسلامي،فهل استعدّ المسلمون لمواجهتها وبذل الجهد للتغلب عليها؟

    وقبل الدخول في تفاصيل هذه المحاضرة،نودّ هنا أن نؤكِّد أنّ كل التحديات التي تحيط بعالمنا الإسلامي ليست تحديات تواجه الإسلام بوصفه الدين الخاتم،الذي تستطيع شريعته أن تواجه كل الظروف والمتغيرات في كل زمان ومكان لما تمتاز به من المرونة والاعتدال. بل ان التحديات القائمة واللاحقة هي في حقيقة الأمر تحديات للمسلمين،وليست تحديات للإسلام ذاته فقط .فهي تحديات تواجه عقول المسلمين وقدرتهم على استيعاب تطورات العصر،والوعي بالزمن،والوعي بالتطور التاريخي.

    والوعي بالزمن يعني وعياً بحركة الزمن من ماض إلى حاضر إلى مستقبل، وأنها دائماً في صعود. فالتاريخ يسير إلى الأمام و لا يتراجع إلى الوراء. أمّا الوعي بالتطور التاريخي، فإنّه يعني نقلة نوعية تشتمل على إضافة حضارية يسجلها التاريخ. وحتى يكون هذا الوعي حاضراً في الأذهان،لابدّ من التغلب على العقبات التي تعترض طريق هذا الوعي وتحجب عنه الرؤية الصحيحة والإدراك السليم.

    ونقصد بالتحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية هي:الصعاب أو المخاطر أو القيود التي تهدد الثقافة الإسلامية وتمنعها من تحقيـــــــق أهدافها.

    وعندما نتأمّل هذه التحديات،نجد أنها ليست كلها جديدة تماماً، فقد بدأ بعضها في الظهور في النصف الأخير من القرن العشرين،فقد حدثت في هذا العقد تطورات بالغة الأهميّة وعلى رأسها انتشار الخوف غير المبرر من الإسلام في الغرب بوصفه العدو البديل أو الخطر القادم الذي يهدد الحضارة العالمية، والترويج لنظرية صدام الحضارات ونهاية التاريخ، والتطورات العلمية الجديدة مثل الاستنساخ،وزراعة الأعضاء،وغيرها ممّا قد يزعزع المعتقد الديني في عالم القرن الواحد والعشرين.وإذا كانت هذه التحديات خارجية،فهناك بالإضافة إلى ذلك تحديات داخلية عديدة،من أهمّها: التخلف الذي تعاني منه الأُمّة الإسلامية،وانتشار ظاهرة الإرهاب في العالم الإسلامي على نطاق واسع،رغم أنها تعد ظاهرة عالمية. ويرتبط بذلك كله أيضاً الفهم الخاطئ للإسلام،والتفسيرات المغلوطة لتعاليمه، وخطر الأصدقاء الجُهّال بالإسلام الذين هم أشد ضرراً على الإسلام من خصومه. وهذا إجمال يحتاج إلى تفصيل يُبيِّن موقف الإسلام من ذلك كله.

    1- التحديات الداخلية:

    التغلب على التحديات الداخلية يعدّ المدخل الطبيعي للتغلب على التحديات الخارجية، بمعنى أنه إذا تغلب العالم الإسلامي على تحديات الداخل، فإنّه يكون حينئذ في وضع يؤهله للتغلب على التحديات الخارجية.

    وفي ما يلي نسلط بعض الضوء على أهم التحديات الداخلية:

    أ‌) التخلف:

      يعد التخلف - الذي يسود المجتمعات الإسلامية - أخطر التحديات الداخلية التي تواجه العالم الإسلامي. وهذا التخلف ليس تخلفاً على المستوى المادي فحسب، وإنما هو تخلف شامل لشتى النواحي العلمية والفكرية والأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولا يغرن أحداً تلك القشرة الحضارية الظاهرية في عالمنا الإسلامي. فالمسلمون اليوم - للأسف الشديد - ليسوا أكثر من مستهلكين لمنجزات الحضارة المعاصرة وليسوا منتجين لها أو مشاركين فيها.صحيح أنّ أسلافنا قد تركوا لنا رصيداً حضارياً ضخماً لازلنا نعتز به ونفخر،ولكننا وقفنا عند هذا الحد ولم نبذل أي جهد حقيقي يضيف جديداً إلى ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا. ويحاول خصوم الإسلام نسبة التخلف في العالم الإسلامي إلى الإسلام، ويزعمون أنه هو الذي يشد أتباعه إلى الوراء دائماً ولا يتيح لهم حرّية الحركة للانطلاق نحو آفاق التقدم. وهذا اتهام لا يستند إلى أي أساس لا من العلم ولا من الواقع التاريخي. فالإسلام هو الذي دفع المسلمين في السابق إلى بناء حضارة مزدهرة استمرت ما يقرب من ثمانية قرون. وإذا كانت الحضارة لا تقوم إلا بالعلم، فإنّ الإسلام قد جعل العلم فريضة لا تقل شأناً عن فرائض الصلاة والصوم والزكاة، وجعل مداد العلماء مساوياً لدماء الشهداء، ووصف العلماء بأنّهم أخشى الناس لله،لأنّهم الذين يدركون أسرار الخلق وجلال الخالق. وإذا كان الإسلام دين العلم والحضارة على النحو الذي أشرنا إليه، فكيف وصل الحال بالمسلمين إلى أن تكون نسبة الأُمية لديهم تصل إلى 5ر46% طبقاً لبيانات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة(الإيسيسكو)،وأن تصل هذه النسبة في أوساط النساء في بعض البلاد الإسلامية إلى 60%.

    ب‌) ظاهرة الإرهاب:

       لا يوجد في الأدبيات الفقهية الإسلامية تعريف لمصطلح الإرهاب؛ إلّا انه يوجد له مصاديق فيها، وللوقوف عليها لابد من تعريف الإرهاب أولاً ثم معرفة أهم مصاديقه في الشريعة الإسلامية، وسنختار تعريف منظمة المؤتمر الإسلامي- بوصفها أحد المراجع القانونية للدول الإسلامية، فقد عرفت الإرهاب أنه: ( كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أياً كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو أعراضهم أو حريتهم أو أمنهم أو حقوقهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية أو المرافق الدولية للخطر، أو تهديد الاستقرار أو السلامة الإقليمية أو الوحدة السياسية أو سيادة الدول المستقلة)([1])، وفي الفقه الإسلامي يوجد عنوان فيه معان قريبة للإرهاب وهو الحَرابة فأساس الحَرابة هي إيجاد الإخافة وبث الرعب وسلب الأمن والإخلال بأمن المجتمع والتعرض لحياة الناس الأبرياء كل ذلك عن طريق إشهار السلاح وهذا المعنى قريب من معنى الإرهاب.

    إن ظاهرة الإرهاب من أخطر التحديات الداخلية التي تواجه العالم الإسلامي. وقد شهدت الأعوام الأخيرة على وجه الخصوص تطور هذه الظاهرة بشكل مخيف،إذ اتّجه الإرهاب إلى القتل والتدمير للأبرياء دون تمييز بين طفل وامرأة وشيخ وشاب،وتعدى ذلك إلى التمثيل بالقتلى دون سبب مفهوم، وفي كثير من الأحيان تحت شعار إسلامي،وبصيحات الله أكبر.وعواقب هذا الإرهاب مدمرة لقدرات الشعوب الإسلامية اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، كما تمثل عقبة أمام تنفيذ الخطط التنموية في البلاد الإسلامية، فخطر الإرهاب يمس الشعب كله بجميع فئاته،ويمس مصالح كل فرد فيه،فالإرهاب يهدف إلى زعزعة استقرار المجتمع،وتهديد أمن الوطن والمواطنين.

    ومن هنا، فإنّ التغلب على التحدي الذي يمثله الإرهاب يجب أن يكون مسؤولية المجتمع بأسره..أمّا ما يطلقه الإرهابيون من شعارات إسلامية،فإنها لا يمكن أن تخدع عاقلاً،لأنّ الأديان كلها والإسلام بصفة خاصة يرفض العنف والقتل والإرهاب، ويدعو إلى الرحمة والأخوّة والسلام.والإسلام إذ يرفض العدوان رفضاً قاطعاً، فإنّه يعتبر قتل نفس واحدة كأنه قتل للإنسانية كلها (مَن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) (المائدة/ 32).ولا يجوز أن يغيب عن الأذهان أنّ الرحمة هي الهدف الأساسي للرسالة الإسلامية،كما يخبرنا بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى مخاطباً نبيّه عليه الصلاة والسلام: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (الأنبياء/ 107).



    (1) معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب  اتفاقية 1999، المادة (1)، البند الثاني.

  • موضوع 8

    التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية

    2- التحديات الخارجية:

    وإذا كان الأمر كذلك وهو أنّ التحديات الداخلية مرتبطة بالتحديات الخارجية،فإنّ علينا أن نُبيِّن أهم التحديات الخارجية:

    أ-الاستشراق:هوذلك التيارالفكري الذي يمثل الدراسات المختلفة عن الشرق الاسلامي، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته، وقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العالم الاسلامي.

    والإستشراق لغة : على وزن استفعال كلمة تعني غالباً طلب شيء ما، فكأنه طلب للشرق وقصد له كي يحصل على حضارته وعلومه.

    فالمستشرق: هو المتخصص بدراسة الشرق.

    ويقصد بالإستشراق اصطلاحاً : هو التخصص الذي يمارسه الغربي في مجال دراسة الشرق على مستوى لغاته ودياناته وثقافته وحضارته.

    ولذلك نجد أن :

    1-الإستشراق لا يختص بدراسة الغربي للعالم العربي أو الإسلامي ، بل يمتد ليشمل الحضارة الهندية والصينية واليابانية وغيرها من الحضارات الشرقية أيضاً ونظراً للاهتمام المتزايد بالحضارة الإسلامية صار عندما تطلق كلمة الإستشراق ينصرف الذهن إلى هذه الرقعة الجغرافية من بلاد الشرق، وبما أن بعض المستشرقين قد تخصصوا بدراسة منطقة وحضارة الشرق العربي خاصة؛ فقد أطلق عليهم المستعربين، فكان الاستعراب فرع من فروع الاستشراق.

    2-لا يقتصر الاستشراق على دراسة الدين فقط ، بل يستوعب دراسة الحضارة والعادات والتقاليد والتاريخ وغير ذلك، فتصوّر أن الاستشراق ينحصر بدراسة الدين هو تصور غير صحيح.

    3-ليس شرطاً أن يكون المستشرق ناقداً للشرق ودياناته وحضاراته وعاداته فإن بعضاً منهم كان معجباً بالشرق وراغباً بالاطلاع على حضارته، وإن كانت صفة النقد هي السائدة عند الأعم الأغلب من المستشرقين.

    4-إذا تناول باحث شرقي دراسة حول الشرق وأطلق عليه لفظ (مستشرق) فهو إطلاق تسامحي، فلو أن متخصصاً من آسيا استخدم مناهج البحث الغربية   لدراسة الحضارة الاسلامية فإطلق عليه لفظ مستشرق فهو إطلاق تسامحي يوجد مايبرره وهو انطلاقه من مناخ غير اسلامي.    

    النظريات التي تحدد بداية الاستشراق

        ظهرت نظريات عدة في تحديد بدايات نشأة الاستشراق أهمها:

    1-النظرية الأولى : ترجح بداية الاستشراق في القرن الأول الميلادي، وتستدل على ذلك بالعثور على كتاب لمؤلف غربي مجهول الهوية عنوانه ( الطواف حول البحر الأريتيري) وقد اكد مجموعة من الباحثين ان هذا الكتاب يعود الى القرن الميلادي الأول إعتماداً على رأي الباحث الدكتور جواد علي.

    2-النظرية الثانية: ترجح بداية الاستشراق الى الفترة التي قام بها المسيحيون بنقل الفكر اليوناني والغربي الى بلاد الغرب من الحواضر الإسلامية فبعد ان ترجم العرب حضارة الغرب وعمقوها وطوروها قام بعض مسيحيو الغرب بتعلم اللغة العربية وعاشوا في بلاد المسلمين للتعرف على حضارة المسلمين وبذلك أعادوا نتاجهم الفكري المطوّر الى بلادهم.

    3-النظرية الثالثة:  تقول ان بداية الاستشراق تعود الى اواخر القرن السابع  الميلادي، حيث قام بعض العرب المسيحيين بدراسة الاسلام كـ (يوحنا الدمشقي 749م) وهو من آباء الكنيسة الشرقية له مصنفات كثيرة يحمل بعضها طابعاً نقدياً للإسلام ومن أشهر مصنفاته (منهل المعرفة).

    4- النظرية الرابعة: ترجح بداية الاستشراق بالفترة التي شهدت وقوع الحرب الصليبية بين الشرق والغرب والتي استمرت لقرابة مائتي عام ، فكان من الطبيعي أن يحصل تصادم وتلاقح حضاري للأفكار بين الجانبين، فظهر أول نتاج استشراقي تمثل بصدور أول ترجمة للقرآن الكريم، وأول قاموس عربي- لاتيني. 

    5-النظرية الخامسة: وتحدد بداية الاستشراق بانطلاق مشروع الراهب المسيحي الفرنسي جربير سلفستر الثاني(1003م)  أي بالقرن العاشر الميلادي ، فقد تعلم اللغة العربية في قرطبة وعندما عاد الى بلاده أصبح (البابا سلفستر الثاني) فأطلق مشروعه الذي كان يستهدف دراسة الشرق بحكم منصبه الذي خوله ذلك.

    6-النظرية السادسة: وترجح هذه النظرية أن بداية الاستشراق تعود الى حملة نابليون بونابرت (1821م) على مصر، حيث رافق نابليون في حملته عدد من العلماء والباحثين الغربيين، كما أخذ معه مطبعة لطباعة الكتب. 

    ب) الغزو الفكري:

    هو مصطلح حديث يعني مجموعة الجهود التي تقوم بها أمة من الأمم للاستيلاء على أمة أخرى أو التأثير عليها حتى تتجه وجهة معينة.

    وهو أخطر من الغزو العسكري؛لأن الغزو الفكري ينحو إلى السرية وسلوك المسار بالخفية في بادئ الأمر فلا تحس به الأمة المغزوة ولا تستعد لصدّه والوقوف في وجهه حتى تقع فريسة له وتكون نتيجته أن هذه الأمة تصبح مريضة الفكر والإحساس تحب ما يريده لها عدوها أن تحبه وتكره ما يريد منها أن تكرهه. وهو داء عضال يفتك بالأمم ويذهب شخصيتها ويزيل معاني الأصالة والقوة فيها والأمة التي تبتلى به لا تحس بما أصابها ولا تدري عنه ولذلك يصبح علاجها أمرا صعباً وإفهامها سبيل الرشد شيئاً عسيراً. إذن فالغزو الفكري يستهدف سلوك،وأفكار، وأخلاق،وعادات الأفراد، فهو يستهدف عصب المجتمعات،وهو أفرادها ويسيطر عليهم من أجل تحقيق ما يريده عدو هذه الأمة .والغزو الفكري له وسائل مباشرة كالعولمة والتغريب، وغير مباشرة كالاستشراق

    ج) العولمة:

      منذ سنوات،ظهر الحديث عمّا يُسمّى بالنظام العالمي الجديد، وأصبح الحديث عن العولمة (Globalization) أمراً مطروحاً. ولم يعد خافياً على أحد أنّ هناك تياراً جارفاً تقوده القوة الأعظم في العالم يتمثل في الترويج للقيم والمعايير التي تعتمدها الحضارة الغربية القائمة. وأنّ على الجميع في العالم أن يتواءم معها وأن يعتنق مبادئها ونظمها إذا أراد لنفسه مكاناً في مسيرة العالم المعاصر.وهذا يعني أن تسود حضارة واحدة بقيمها ومثلها،وأن يترسّخ مفهوم العولمة أو القطب الواحد في الأذهان. وبذلك يختفي مفهوم التعددية الحضارية المتعارف عليه منذ فجر التاريخ. ومن ثمّ يصبح الخضوع لنظام العولمة أمراً لا مفر منه، ولا فكاك لأي دولة في العالم إلا أن تنضوي تحت لوائه،وإلا فإنّ الزمن والأحداث سوف تتجاوزها.

    والعولمة": مصطلح معرّب لم ينشأ أساسًا في البيئة العربية المسلمة، وبالرجوع الى القاموس نجد أن تعريف العولمة هو: إكساب الشيء طابع العالمية وبخاصة جعل نطاق الشيء أو تطبيقه عالميًّا.

    وهناك فرق بين العالمية والعولمة؛ لأن العالمية منسوبة إلى العالم وهو: عبارة عما يُعلم به الشيء كما يقول الجرجاني.

    أما العولمة فتتضمن معنى الإحداث والإضافة والفرض والإلزام, وبعبارة أخرى فإن: "العالمية رؤية وأمل وتطلع إلى نقل الخاص إلى المستوى العالمي, أما العولمة فهي احتواء للعالم".

    ان العولمة مصطلح جديد فقد أشار قاموس اكسفورد للكلمات الإنجليزية الجديدة إلى مفهوم العولمة للمرة الأولى عام 1991م ووصفه بأنه من الكلمات الجديدة التي ظهرت خلال التسعينات إلا أن لكل باحث لهذا الموضوع تقريبًا تعريفًا خاصًّا به. وقد أحصى أحد الباحثين حتى عام 1422هـ - 2001م (434) دراسة تحمل في عنوانها اسم: العولمة على قائمة شركة "أمازون" والتي تعد الآن أكبر مكتبة في العالم لبيع الكتب من خلال الإنترنت.فإذا أضفنا لذلك الكم الكبير من الدراسات التي ظهرت عن العولمة بعد ذلك التاريخ فإننا ندرك حينئذٍ حجم الإشكالية التي يواجهها الباحث عن تعريف دقيق للعولمة.

    ومن أبرز تعريفات العولمة:

    1- إخضاع العالم لقوانين مشتركة تضع حدًّا فيه لكل أنواع السيادة .

    2- صياغة جديدة لخطوات إطارية قديمة غرضها الباقي المستمر هو تكريس الهيمنة الثقافية والاقتصادية والسياسية للقوى وتوطيدها.

    3- سيادة النمط الغربي في الثقافة والاقتصاد والحكم والسياسة في المجتمعات البشرية كلها.

    4- استعمار جديد أقل تكلفة من سابقه.

    5- صيرورة العالم واحدًا.

    6- توجه ودعوة تهدف إلى صياغة حياة الناس لدى جميع الأمم ومختلف الدول وفق أساليب ومناهج موحدة بين البشر، وإضعاف الأساليب والمناهج الخاصة.

    ويعد نظام العولمة - بالمفهوم المشار إليه - من التحديات الكبرى التي تواجه العالم الإسلامي في العصر الحاضر. فهل يمكن إخضاع الإسلام والمسلمين لهذا النظام؟حيث تختفي الحواجز الحضارية والثقافية في العالم الجديد؟

    إنّ حقائق الدين الإسلامي وطبيعته ووقائع التاريخ تُبيِّن أنّ الإسلام لا يمكن أن يذوب في أي نظام آخر،فله ذاتيته المستقلة وكيانه الخاص. ولكن هذا التصور الإسلامي لا يتناقض مع أي كيانات أخرى،لأنّ التعددية الدينية والحضارية قد كفلها الإسلام منذ أن قامت للإسلام دولة، وترسّخت هذه التعددية في دستور المدينة الذي أعلنه الرسول محمّد (ص).

    وقد كانت الحضارات في البلاد التي دخلها الإسلام روافد أثرت الحضارة الإسلامية. فالإسلام يعتبر الحضارات إنجازاً إنسانياً،وإضافات للتراث الإنساني الذي هو بطبيعته أخذ وعطاء. ولا توجد أُمّة عريقة في التاريخ إلا وقد أعطت كما أخذت من هذا التراث. وإذا كان الأمر كذلك،فإنّ هدف نظام العولمة يعد مناقضاً لطبيعة الأُمور. فلا يمكن أن تذوب السمات الحضارية الأساسية للشعوب التي لها بصمات حضارية لا تمحى في سجل التاريخ.

    والإسلام إذ يقر التعددية الدينية والحضارية، فإنه من ناحية أخرى يقر في الوقت نفسه بأنّ هناك قواسم مشتركة بين كل الحضارات. وهذه القواسم المشتركة تعد المدخل الحقيقي للتعاون بين الحضارات وليس الصراع في ما بينهما. ومن هنا كان تأكيد القرآن الكريم على أنّ الاختلافات بين الشعوب لا يجوز أن يكون عائقاً أمام التعارف والتآلف والتعاون بين الأُمم والحضارات،كما أشارت الآية الكريمة: (...وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا).

    ومن ذلك يتضح أنّ الإسلام سيقف صامداً أمام كل محاولة لتذويبه في أي حضارة أخرى أو في أي نظام عالمي جديد. ولكنه في الوقت نفسه سيظل دائماً على استعداد لأن يكون شريكاً لأي نظام عالمي يسعى إلى خير الإنسان وتقدمه وازدهاره.


  • موضوع 9

    آثار الثقافة الاسلامية على الثقافات الأخرى

    لا جدال أن للنظام الشامل للإسلام الأثر الكبير في تأثير الثقافة الاسلامية على الثقافات الأخرى، وذلك من خلال ملاحظة أهم آثارها وهي:

    1- أثّرت الثقافة الإسلامية على الثقافة الأوروبية في ميادين شتى، ومنها ميدان العقيدة والدين الذي ظهر في حركات الإصلاح الدينية التي قامت في أوروبا منذ القرن السابع حتى عصر النهضة الحديثة، وقد أكد أكثر من واحد من الباحثين أن (لوثر) في حركته الإصلاحية كان متأثراً بما قرأه للفلاسفة العرب والعلماء المسلمين، من آراء الدين والعقيدة والوحي، وكان هذا التأثير عبر منافذ عدة: عن طريق بلاد الشام، وصقلية، والأندلس وغيرها.

    2- إنتشار الإسلام وثقافته في الشرق الأقصى مع حركة التجار التي كانت إحدى قنوات الاتصال المهمة، حيث نقل التجار المسلمون كثير من المظاهر الثقافية الإسلامية الى مختلف شعوب آسيا وأفريقيا.

    3- كما وانتشرت الثقافة الاسلامية عبر حركة الترجمة حيث ترجمت أمهات الكتب العربية والاسلامية الى اللغات الأخرى في مختلف ميادين العلم والفلسفة في القرون الوسطى وعصر النهضة، وبداية العصر الحديث، وكان لذلك الأثر على الثقافات الأخرى، وقد شهد بعض من الباحثين الغرب على ذلك كـ (غوستاف لوبون) في كتابه (حضارة العرب)، و(زيغريدهونكه) في كتابها (فضل العرب على اوروبا) و(شمس العرب تسطع على الغرب)، و(استانوود كب) في كتابه (المسلمون في 

    تأريخ الحضارة).

    موقف المسلم من الثقافات الأخرى

    تتقاسم العالم اليوم ثقافات مختلفة، وقد سيطرت الثقافة الغربية في هذا العصر على بقية الثقافات، لأنها مدعومة من الجانب الإعلامي والسياسي والاقتصادي والعسكري، لذا سيكون التركيز في بيان الموقف منها بسبب ذلك ، وهناك اتجاهات عدة في الموقف منها وهي:

    1- الاتجاه السلبي: يرى أتباعه عدم الأخذ أو الاتصال بأي شيء يتعلق بالثقافة والحضارة الغربية، وعدم الاستفادة من كل ما انبثق عنها من منافع في مختلف المجالات، وهذا الموقف لا يتناسب مع الأصول الإسلامية الصحيحة التي تدعو الى الإفادة من كل شيء لا يصادم المنظومة الاسلامية، فالحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها.

    2-الاتجاه التغريبي: يدعو أصحابه الى الأخذ بكل أسباب الثقافة والحضارة الغربية، مقبلاً على كل معطياتها في اسلوب الحياة خيرها وشرها.

    3- الاتجاه التوفيقي: يرى أتباعهالتوفيق بين الثقافتين الإسلامية والغربية، وفي حال حدوث تعارض، يرون أنه لابد من تقريب بعض مبادئ الإسلام التي تتعارض مع حضارة الغرب وثقافته، وتطوير تلك المبادئ حتى تواكب حضارة الغرب ولتتناسب مع معطيات الثقافة الغربية مع الميل الى تبني الثقافة الغربية والبحث عن الأدلة المؤيدة لذلك بدعوى أن مصالح المسلمين تتطلب ذلك .

    4- الاتجاه المعتدل: يرى أتباعه أن يحتفظ المسلمون بإسلامهم وثقافتهم المتمثلة في الكتاب والسنة مع الوقوف عند حدود الفكر الإسلامي الأصيل، مع الإفادة من خير ما أفادت منه المدنية الغربية في شتى المجالات من العلوم التجريبية، فيرون أخذ المناسب من الحضارة الغربية وترك مالايناسب منها.

    وهذا الاتجاه الاخير هو الاتجاه الصحيح الذي يحاول الوقوف في وجه تحديات الثقافة الغربية مع الاستفادة من المفيد فيها.



  • موضوع 10

    الوسطية في الإسلام ونبذ العنف والغلو والتطرف

         لقد عانت المجتمعات الإسلامية ولا سيما في السنوات المنصرمة من نتائج التشدد والغلو في الدين كثيراً جداً حيث سُفكت دماء الأبرياء، وخربت بيوت، واستحلت أموال وأعراض، وكان التصدي لهذه التجاوزات في كثير منها بالعنف والقوة رغم أن ذلك يرجع في الأصل إلى عقائد وأفكار غالية نتيجة أوضاع المسلمين اليوم وتكالب الأمم عليهم وتخبط فئة من المسلمين في طرق التعامل مع الآخرين وقبولهم في المجتمعات المسلمة أو نتيجة جهل وقلة وعي بحقائق الدين الحنيف وظناً من هؤلاء أن عظم الأجر في التشدد والغلو، حتى أوصل بهم ذلك لتكفير المسلم وإباحة دمه في كثير من الأحيان، ليخرج على الناس أشخاص غير معروفين بالعلم والتقوى صغار في أعمارهم يفتون على جهلهم بأبسط مسائل الحلال والحرام، ودون معرفة بأبسط قواعد الفتوى فيقعون في أخطاء كبيرة تحسب على الأمة والدين وتسيء لسمعة الإسلام الحنيف المبرأ من كل سوء وضلال.

    أولاً: مفهوم الوسطية:

    الوسطية ترجع في أصل وضعها اللغوي إلى مادة وسط، وهي دالة على جملة من المعاني منها: العدل، والخيار، والتوسط بين الجيد والردئ...الخ

    فالوسط لغة: ما بين طرفي الشيء أو هو النصف، يقال: جلس فلان وسط القوم، أي صار في وسطهم... والوسط من كل شيء: أعدله وخيره. وجاء في الحديث النبوي: [خير الأمور أواسطها[1]]. وواسطة القلادة: الجوهر الذي في وسطها، وهو أجودها.

    وأما في الاصطلاح الشرعي فإن الوسط لا يخرج عن مقتضى اللغة، وقد استخدم القرآن لفظ الوسط معبراً ‏فيه عن إحدى خصائص هذه الأمة، وإحدى قواعد منهجيتها، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]، ويمكن القول إن الوسطية اصطلاحاً: "سلوك محمود - مادي أو معنوي - يعصم صاحبه من الانزلاق إلى ‏طرفين مُتقابلين - غالبًا - أو مُتفاوتين، تتجاذبهما رذيلتا الإفراط والتفريط، سواء في ميدان ديني أم ‏دنيوي"

    معنى الوسطية

    وصف الله شريعته المعتدلة بأنها على الصراط السوي في قوله: (وأن هذا صراطي مستقيما فأتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله... [الأنعام: 153].وللوسطية معاني عدة منها:

    1- أنّ الوسطية تعني الاعتدال في الاعتقاد والموقف والسلوك والنظام والمعاملة والأخلاق، وهذا يعني أن الإسلام بالذات دين معتدل غير جانح ولا مفرط في شيء من الحقائق، فليس فيه مغالاة في الدين، ولا تطرف أو شذوذ في الاعتقاد، ولا تهاون ولا تقصير، ولا استكبار ولا خنوع أو ذل أو استسلام وخضوع وعبودية لغير الله تعالى، ولا تشدد أو إحراج، ولا تساهل أو تفريط في حق من حقوق الله تعالى ولا حقوق الناس وهو معنى الصلاح والاستقامة.

    2- وتعني رفض التعصب ضد الآخرين، فلا إكراه أو إرهاب أو ترويع بغير حق، كما لا إهمال في دعوة الناس إلى دين التوحيد بالحكمة والموعظة الحسنة منعاً من التفريط بواجب تبليغ أو نشر الدعوة الإلهية، وحباً في إسعاد البشرية قاطبة وإنقاذهم من الكفر والضلالة والانحراف.

    3- وتعني الأخذ بمبدأ اليسر ودفع الحرج والتعسير،وهذا المبدأ أحد خصائص التشريع الأساسية وهي قلة التكاليف، والتدرج في التشريع، والأخذ باليسر وعدم الحرج، ويمكن أن يعبر عن الإسلام بأنه دين السماحة أي إنه الدين المعتدل الذي تتجسد فيه السماحة في تعاليمه وأحكامه، فهو الدين الأيسر والأسهل بين الأديان، كما قال الله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة: 185] وقال أيضاً: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: 78].

    4- والوسطية تعني أيضاً الاعتراف بالحرية للآخرين ولاسيما الحرية الدينية. ويظهر في قول الله تعالى: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) [البقرة: 256].

    5- والوسطية تعني أيضاً الجمع بين الماديات والروحانيات وهي ميزة الإسلام، لأن الإنسان جسد وروح، وله حوائج مادية وروحانية، ولأن العمل الصحيح يكون للدنيا والآخرة، لقوله تعالى: (وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين) [القصص: 77].

    6- وتعني الوسطية التوسط في معاملة الآخرين في الداخل والخارج يراد بها التعامل الحر البريء من غير إضمار الشر أو محاولة التعدي أو الحمل على شيء معين، لذا كان الجهاد في الإسلام يراد به الدفاع عن حرمات الإسلام والمسلمين، ولا يقصد به حمل السيف بظلم ضد الآخرين، أو قتل الأنفس البريئة، أو ترويع الغير، أو إخافة الناس، أو إرهاب المجتمع، أو إجبارهم على الدخول في الإسلام، فذلك كله ليس من مفهوم الوسطية المعبر عنها في الآية الكريمة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين* إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة: 8- 9). ولا يوجد في الإسلام في غير حال الاعتداء ودفع الظلم إلا السلام ونشر الأمن والطمأنينة وزرع الثقة ، فذلك كله سمة الإسلام الحضارية ومقوماته الخالدة، كما ينعدم في الإسلام ما يسمى بالإرهاب، أي التطرف والغلو، وإلحاق الضرر بالآخرين والتدمير والإفساد والتخريب، وإشعال الفتنة، وإثارة المنازعات، لقوله (ص):          (لا يحل لرجل (أو لمسلم) أن يروع مسلماً ).


    وقوله (ص) : (لا تروعوا المسلم، فإن روعة المسلم[2] ظلم عظيم).

    وقوله (ص): (لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع[3] في يده، فيقع في حفرة من النار] وقوله: (من أشار إلى أخيه بحديدة[4]، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي[5]، وإن كان أخاه لأبيه وأمه). وعنون المحدثون هذه الأحاديث بقولهم: (الترهيب من ترويع المسلم ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه، جاداً أو مازحاً).

    7- والوسطية تعني نبذ الغلو والتطرف، والغلو في لغة العرب يعني:(مجاوزة الحد ) وكل من غلا فقد تجاوز الحد، والمعنى الاصطلاحي للغلو كما عبّر عنه كثير من العلماء:(المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد ) .

    وفي عصرنا الحاضر فشت ظاهرة الغلو في الدين، والفهم السقيم لنصوصه وتعاليمه

    وقد جاءت النصوص الكثيرة في كتاب الله، وسنة رسوله r تأمرنا بالاستقامة وتنهانا عن  الغلو أو الجفاء. ، قال (ص) :

    {إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ}. وقال (ص) : (بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا)

    فالإسلام دين الاعتدال واليسر؛ فما ثبت أنه من الدين فهو اليسر وهو الحنيفية السمحاء، وهو الذي لا تشدد في أخذه، ولا غلو فيه، ولا عسر فيه.

    وكان هذا هو منهجه (ص)، وهو الأسوة والقدوة لأمته كما تحكي ذلك عنه إحدى أزواجه : { مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ r بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا. } .

    8- وتعني الوسطية ترسيخ مفاهيم السلم الاجتماعي: فقد أرسى القرآن الكريم مفاهيم السلام في آيات كثيرة، حتى أصبح السلام السمة البارزة لهذا الدين ليس في حال السلم فحسب، بل وفي الحرب ومع الأعداء، لأن هذا الدين يحرص على كسب أعدائه ودعوتهم إلى السلم بدلا من مخاصمتهم، ولأن دين الإسلام جاء لهداية الناس كافة إلى سبيل الله تعالى، فمقصده التآلف ودفع التنازع ونشر السلام في أرجاء العالمقال تعالى (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

    9- ومن مقتضيات الوسطية تحقيق التكافل الاجتماعي في الإسلام بين الأغنياء والفقراء، وإيجاد التوازن بين رأس المال والإنفاق، فتكون الملكية الخاصة مشروعة بشرط جعل التصرف فيها موجهاَ للصالح العام، وأن يكون التملك فيما هو مشروع مأذون بتملكه وليس محظوراً أو ضاراً، وأن يكون التصرف في الملك بالتراضي، ومن غير تبذير، لقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم..) [النساء: 29].

    وقوله سبحانه: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفاً) [النساء: 5].

    10- وتعني الوسطية في الإسلام تحقيق التكامل والانسجام بين الضروريات الخمس  وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسب أو العرض، والمال، لتحقيق مصلحة الفرد والجماعة والأمة، وإيجاد التوازن والاعتدال الذي به تدوم الأوضاع والأحوال على منهج حسن ووضع مستقر، فالتوسط في الأمور ينسجم مع إمكانات البشر وقدراتهم وعطاءاتهم، وبه ينعم الناس في مظلة الحرية، ومتابعة الفعاليات والإنجازات، فيتحقق الأمن النفسي والاجتماعي والصحي والمعيشي، ويتجنب الناس كل ألوان الخوف والقلق واليأس والإحباط، ومن خلاله تنتعش الأحوال الاقتصادية، ويعم الاستقرار والوئام، بل ويقبل الأفراد والجماعات على التنمية وزيادة الإنتاج، وتوفير الثروة.

    إذن فالوسطية من مقاصد الشريعة وغاياتها الأساسية الكبرى، فهي مطلب شرعي أصيل ومظهر حضاري رفيع .



    [1] ذكره الديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعا. وروى أبو يعلي بسند رجاله ثقات عن وهب بن منبه قال: إن كل شئ طرفين ووسطاً فإن أمسك بأي الطرفين مال الآخر وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء ".

    [2] تخويفه.

    [3] أي يرمي ويفسد وأصل النزع: الطعن والفساد.

    [4] سلاح حاد أو سكين

    [5] حتى يمتنع.